أحمد بن علي القلقشندي

32

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

الهدى فيها إلى أجمل المقاصد وأحسنها ؛ ويجعلها عمدته يوم تعدم الأنصار ، وتشخص الأبصار : ليجتني من ثمرها ما يقيه مصارع الخجل ، ويجتلي من مطالعها ما يؤمّنه من طوارق الوجل ؛ ويرد بها من رضا اللَّه تعالى أصفى المشارب ، ويجد فيها من ضوالّ المنى أنفس المواهب : فإنها أبقى الزّاد ، وأدعى في كلّ أمر إلى وري الزّناد ؛ وقد خصّ اللَّه بها المؤمنين من عباده ، وحضّ منها على ما هو أفضل عدّة المرء وعتاده ؛ فقال تعالى : * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله حَقَّ تُقاتِه ولا تَمُوتُنَّ إِلَّا وأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) * ( 1 ) . وأمره أن يأتمّ بكتاب اللَّه تعالى مستضيئا بمصباحه ، مستضيما لسلطان الغيّ بالوقوف عند محظوره ومباحه ؛ ويقصد الاستبصار بمواعظه وحكمه ، والاستدرار لصوب التوفيق في الرّجوع إلى متقنه ومحكمه ؛ ويجعله أميرا على هواه مطاعا ، وسميرا لا يرى أن يكشف عنه قناعا ؛ ودليلا إلى النّجاة من كلّ ما يخاف أثامه ، وسبيلا إلى الفوز في اليوم الذي يسفر عن فصل الحساب لثامه ؛ ويتحقّق موقع الحظَّ في إدامة درسه ، وصلة يومه في التأمّل بأمسه ؛ فإنه يبدي طريق الرّشد لكل مبدي في العمل به معيد : * ( وإِنَّه لَكِتابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيه الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْه ولا مِنْ خَلْفِه تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ) * ( 2 ) . وأمره أن يحافظ على الصّلوات قائما بشروطها وحدودها ، وشائما ( 3 ) بروق التوفيق في أداء فروضها وحقوقها ؛ ومسارعا إليها في أوقاتها بنيّة عائفة مناهل الكدر والرّنق ( 4 ) ، عارفة بما في إخلاصها من نصرة الهدى وطاعة الحقّ ؛ وموفّرا عليها من ذهنه ، ما الحظَّ كامن في طيّه وضمنه ؛ وموفّيا لها من الرّكوع والسّجود ، ما الرّشاد فيه صادق الدلائل والشّهود ؛ متجنّبا أن يلهيه عنها من هواجس الأفكار ،

--> ( 1 ) آل عمران / 102 . ( 2 ) فصلت / 41 - 42 . ( 3 ) شائما : من شام شيما . يقال : شام السحاب والبرق أي نظر إليه يتحقق أين يكون مطره . ( 4 ) الرنق : تراب في الماء من القذى ونحوه ، والماء الكدر .